الحلبي

379

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

رسول اللّه أصحابه فحملوا حملة رجل واحد ، فما أفلت منهم إنسان ، وقتل منهم عشرة ، وأسر سائرهم : الرجال والنساء والذرية ؛ واستاق إبلهم وشياههم ، فكانت الإبل ألفي بعير ، والشاء خمسة آلاف شاة ، واستعمل صلى اللّه عليه وسلم على ذلك مولاه شقران ، أي بضم الشين المعجمة ، واسمه صالح ، وكان رضي اللّه عنه حبشيا ، وكان السبي مائتي أهل بيت . وفي كلام بعضهم كانوا أكثر من سبعمائة ، وكانت برة بنت الحارث الذي هو سيد بني المصطلق في السبي . وقيل أغار عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهم غافلون ، فقتل مقاتلتهم ، وسبى سبيهم ، أي وهذا القول هو الذي في صحيح البخاري : أي ومسلم ، والأول هو الذي في السيرة الهشامية . وجمع بأنه يجوز أن يكون صلى اللّه عليه وسلم لما أغار عليهم ثبتوا وصفوا للقتال ، ثم انهزموا ، ووقعت الغلبة عليهم ، أي وقتل منهم من قاتل ولم يستأسر . وكان شعار المسلمين : أي علامتهم التي يعرفون بها في ظلمة الليل أو عند الاختلاط « يا منصور ؟ ؟ ؟ » تفاؤلا بأن يحصل لهم النصر بعد موت عدوهم . وأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالأسارى فكتفوا ، واستعمل عليهم بريدة رضي اللّه عنه . ثم فرق صلى اللّه عليه وسلم السبي ، فصار في أيدي الناس . أي وفي هذا دليل لقول إمامنا الشافعي رضي اللّه عنه في الجديد : يجوز استرقاق العرب ، لأن بني المصطلق عرب من خزاعة خلافا لقوله في القديم إنهم لا يسترقون لشرفهم . وقد قال في الأمّ : لولا أنا نأثم بالتمني لتمنينا أن يكون هكذا : أي لا يجري الرق على عربي . وبعث صلى اللّه عليه وسلم أبا ثعلبة الطائي إلى المدينة بشيرا من المريسيع ، أي وجمع صلى اللّه عليه وسلم المتاع الذي وجده في رحالهم والسلاح والنعم والشاء ، وعدلت الجزور بعشرة من الغنم ، ووقعت برة بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس ، وابن عم له ، فجعل ثابت لابن عمه نخلات له بالمدينة في حصته من برة ، وكاتبها أي على تسع أواق من ذهب ، فدخلت عليه صلى اللّه عليه وسلم ، فقالت له : يا رسول اللّه إني امرأة مسلمة : أي أسلمت لأني أشهد أن لا إله إلا اللّه وأنك رسول اللّه ، وإني برة بنت الحارث سيد قومه ، أصابنا من الأمر ما قد علمت ، ووقعت في سهم ثابت بن قيس وابن عم له ، وخلصني ثابت من ابن عمه بنخلات في المدينة ، وكاتبني على ما لا طاقة لي به ، وإني رجوتك فأعني في مكاتبتي ، فقال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أو خير من ذلك ؟ قالت : ما هو ؟ قال : أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك ، قالت : نعم يا رسول اللّه قد فعلت ، فأرسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى ثابت بن قيس فطلبها منه ، فقال ثابت رضي اللّه عنه : هي لك يا رسول اللّه بأبي أنت وأمي ، فأدى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما كان كاتبها عليه وأعتقها